خروج اليهود من مصر أو دخولهم إليها
تُعد فترة وجود بني إسرائيل في مصر،
ومن ثمَّ فترة خروجهم منها، من أكثر المراحل إثارة للجدل والبحث في التاريخ
الإنساني. ويدور حول هذه الحقبة الكثير من التساؤلات، سواء ما يتعلق منها بمنطقة
معيشة بني إسرائيل، أو بهوية الفرعون الحاكم في ذلك الوقت—أو من يُطلق عليه
تاريخياً "فرعون الخروج" نسبةً لحدث الخروج الشهير.
وسوف نلقي هنا بعض الضوء على هذه
الفترة الهامة من التاريخ المصري، مستندين إلى العديد من الدراسات، والشواهد،
والحقائق التاريخية والدينية، طبقاً لما جاء ذكره في التوراة والقرآن الكريم.
سينما هوليوود وتزييف التاريخ
من أشهر المعلومات الخاطئة والشائعة
بين العامة، هي أن فرعون الخروج هو الملك رمسيس الثاني! والعجيب أنه إذا قمنا
بتتبع أصل هذه المعلومة، فلن نجد لها أي سند تاريخي، بل لا يتعدى كونها مستقاة من
فيلم أمريكي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، وهو الفيلم الشهير "الوصايا
العشر" (The Ten Commandments).
ويمكنني تفهم رغبة اليهود (من خلال
نفوذهم السينمائي) في تعظيم حجم وقوة الفرعون الذي عاش في عهد سيدنا موسى—عليه
وعلى نبينا الصلاة والسلام—حتى يمكنهم الافتخار بالانتصار عليه ونسبه لملك بعظمة
رمسيس الثاني. فلو كان هذا الفرعون مجرد ملك مغمور في التاريخ، لن يكون لطعم
الانتصار عليه نفس البريق والزهو.
البداية: كيف دخل بنو إسرائيل مصر؟
حينما نتحدث عن خروج اليهود من مصر،
فإننا يجب أن نطرح أولاً سؤالاً جوهرياً: كيف كان دخولهم إليها؟ وذلك حتى يمكننا
فهم أبعاد الموضوع بكامله.
عندما حضر بنو إسرائيل إلى مصر—وهم
من يُطلق عليهم أيضاً "العبرانيون" نسبةً لعبورهم نهر الأردن—لم يكن
اسمهم "اليهود" في ذلك الوقت؛ إذ إن الديانة اليهودية والتشريع
(التوراة) قد نزلا على سيدنا موسى في فترة لاحقة بعد الخروج. كان يطلق عليهم
"بنو إسرائيل"، وإسرائيل هو لقب نبي الله يعقوب عليه السلام، ويعني في
الآرامية القديمة "رجل الرب" أو "مجاهد الله".
طبقاً للرواية الدينية في التوراة
والقرآن الكريم، فإن نبي الله يوسف هو أول من أتى إلى مصر من هذه الأسرة، وذلك بعد
أن ألقاه إخوته في غياهب الجب في الصحراء، ليلتقطه بعض المسافرين وهو ما يزال
طفلاً. تربى يوسف بن يعقوب في مصر، ونشأ في رعاية شخصية مرموقة ومقربة من البلاط
الملكي ومن الطائفة الحاكمة، وكان هذا الشخص هو وزير الملك، والذي لقّبه القرآن
الكريم بـ "عزيز مصر".
لاحقاً، أتي إخوة يوسف إلى مصر بقصد
التجارة ومير الأهل (شراء الغذاء)، نظراً للمجاعة وسوء الأحوال الجوية وصعوبة
الرعي التي كانت تمر بها بلادهم، حيث كانت تربية الماشية هي المهنة الأساسية
لهؤلاء القوم إلى جانب التجارة. هناك تعرف عليهم سيدنا يوسف، وعفا عنهم، وعرض
عليهم أن يستقروا في مصر وينقلوا حياتهم إليها. وكانت هذه هي نقطة البداية لدخول
بني إسرائيل إلى أرض مصر واستقرارهم فيها.
التوقيت الزمني والوضع السياسي لمصر
تشير الدلائل التاريخية إلى أن هذه
الفترة تعود إلى أواخر عصر الدولة الوسطى أو أوائل عصر الانتقال الثاني (عصر
الاضمحلال الثاني)، أي حوالي 1900-2000 قبل الميلاد. وكما ذكرت كتب العهد
القديم—رغم عدم دقتها المطلقة—فإن بني إسرائيل مكثوا في مصر حوالي أربعة قرون من
الزمان، وفي روايات أخرى أنها كانت فترة أربعة أجيال.
ملاحظة: الفرق هنا جوهري؛ إذ إن فترة
الجيل تتراوح بين 30 إلى 50 سنة، وبذلك تكون فترة وجود بني إسرائيل في مصر أقل من
أربعة قرون بكثير. (وهذا ليس معرض حديثنا الآن، وسوف نفرد له مقالاً آخر إن شاء
الله).
في هذه الفترة من تاريخ مصر، كانت
عاصمة الدولة—أو بالأحرى العاصمة المركزية والمدينة الأقوى—تقع بين الدلتا ومصر
الوسطى. وكانت مصر وقتها تمر بمرحلة ضعف شديد، وشبه مقسمة إلى أقاليم ومقاطعات تقع
تحت قيادات محلية. وإن كان هناك ملك يحكم من عاصمة ما، فإن سلطته الفعلية ربما لم
تكن تتعدى حدود مدينته.
كانت كل الظروف مهيأة ومثالية لقدوم
أغراب عن البلاد، ليمكن لهم الاستقرار والعمل بسهولة تامة في غياب سلطة مركزية
قوية. بل كان من الطبيعي أن يزداد نفوذهم وقوتهم يوماً بعد يوم في ظل غياب حكومة
وطنية قوية تحكم الدولة المضيفة.
حقيقة الاضطهاد: من الذي اضطهد بني
إسرائيل؟
يوماً بعد يوم، ومع ازدياد الضعف
وتغلغل الوهن في كيان الدولة المصرية، استطاع بنو إسرائيل التغلغل في نسيج
المجتمع، والحصول على مناصب عدة في الدولة، كما برعوا في فنون التجارة، وأصبح
العديد منهم من أصحاب الأعمال الأثرياء الذين استطاعوا السيطرة لاحقاً على مقاليد
المال والتجارة في البلاد.
ومن أعظم الشواهد التاريخية والدينية
على ذلك، هي شخصية "قارون" التي ذكرها القرآن الكريم، والذي كان يعجز
العصبة أولو القوة من الرجال الأشداء عن حمل مفاتيح خزائنه، في دلالة قاطعة على
تضخم ثروة هذا الرجل ونفوذه المالي. وقارون لم يكن مصرياً أصيلاً، بل كان من بني
إسرائيل (من قوم موسى).
هذا الواقع التاريخي يتنافى تماماً
مع مزاعم الحركة الصهيونية واليهود بأنهم كانوا مضطهدين تاريخياً من
"المصريين الأصلاء" منذ اللحظة الأولى!
نعم، لقد وقع اليهود في مصر تحت
طائلة اضطهاد جبار ومخيف، ولكن ممن؟
تشير الشواهد إلى أن هذا الاضطهاد لم
يكن من الشعب المصري، بل جاء من قِبل قوى حاكمة مسيطرة وطغاة تقلدوا مقاليد الحكم
وأمسكوا بزمام الثروة في بلد أنهكته الصراعات والحروب الأهلية لفترة طويلة قبل
قدومهم إليه...
وللحديث بقية إن شاء الله...