Search This Blog

Monday, December 19, 2022

شجر الدر… إمرأة حافظت علي عرش مصر ٢


شجر الدر: المرأة التي حافظت على عرش مصر (الجزء الثاني)

بعد نجاحها الأسطوري في إخفاء نبأ وفاة زوجها، وعبور معركة المنصورة إلى بر النصر، عادت شجر الدر بجثمان السلطان الصالح نجم الدين أيوب إلى أرض المحروسة. هذا الثبات مَهَّد الطريق لانتقال سلس وعادل للسلطة إلى ولي العهد، السلطان الجديد "توران شاه". غير أن رياح الاستقرار لم تدم طويلاً؛ إذ كانت الأجواء في مصر تغلي فوق صفيح ساخن، وبدت طموحات القوة العسكرية الصاعدة — المماليك — تنذر بزلزال يوشك أن يضرب عرش السلطنة.

من هم المماليك؟

هم في الأصل رقيق وجواري استُقدموا عبر أسواق النخاسة من مناطق آسيا الوسطى، وحوض نهر الفولجا، وسهول القفجاق (ما عُرف لاحقاً بأطراف الاتحاد السوفيتي وروسيا القيصرية). تميز هؤلاء ببنية جسدية فارعة، ووسامة ملحوظة، وقدرة استثنائية على استيعاب الفنون القتالية.

دفع هذا التميز سلاطين الدولة الأيوبية إلى التوسع في شرائهم، وعزلهم في معسكرات خاصة (مثل قلعة الروضة) لتربيتهم وتجهيزهم كجيش نخبة يدين بالولاء التام للسلطان. ومع إغداق الأموال، والجاه، والإقطاعيات عليهم، تعاظمت شوكتهم، خاصة بعد انتصاراتهم الحاسمة ضد الصليبيين، حتى غدوا القوة الفعلية المحركة للبلاد.

في أواخر عهد الصالح أيوب، كانت الدولة الأيوبية قد دَبَّ فيها الوهن، في المقابل انقسمت القوة المملوكية داخل مصر إلى معسكرين متكافئين ومتنافسين:

  1. المماليك الصالحية البحرية: تحت إمرة الأمير الشاب والجسور فارس الدين أقطاي (ومعه بيبرس).

  2. المماليك المعزية: تحت قيادة الأمير الأكبر سناً والأكثر حنكة سياسية عز الدين أيبك.

تحولت مصر عملياً إلى دولتين عسكريتين متنافستين داخل دولة واحدة، يتبارى كل طرف فيها بشراء المزيد من المماليك والسلاح لضمان الغلبة.

سقوط العرش الأيوبي

لم يمتلك السلطان الجديد "توران شاه" حكمة أبيه ولا هيبته؛ وبدلاً من استيعاب المماليك الذين صنعوا نصر المنصورة، تنكّر لهم، وهدد شجر الدر وطالبها بأموال أبيه. وأمام رعونته وجحوده، لم يجد المماليك بداً من التخلص منه، فقُتل توران شاه في فارسكور، وبمقتله سقطت آحر حلقة في جنزير الدولة الأيوبية في مصر.

المواجهة مع بغداد: رسالة الخليفة اللاذعة

أصبح عرش مصر شاغراً، وبإجماع أمراء المماليك، اعتلت شجر الدر عرش المحروسة كملكة رسمية، ونُقش اسمها على السكة (النقود)، ودُعي لها على المنابر. لكن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن؛ إذ كانت مصر، رغم استقلالها الفعلي، تابعة اسمياً للخلافة العباسية في بغداد.

لم يستسغ الخليفة المستعصم بالله أن تحكم امرأة دولة بحجم مصر، فبعث إلى أمراء القاهرة برسالة شديدة اللهجة، تهكم فيها قائلاً:

"إن كانت الرجال قد عُدمت عندكم، فأعلمونا حتى نسيِّر إليكم رجلاً من عندنا!".

وضعت هذه الرسالة شجر الدر أمام خيارين أحلاهما مُر: إما التنازل عن العرش وإعادة مصر للحكم العباسي المباشر، أو الزواج من أحد أمراء المماليك ليكون سلطاناً في الواجهة، وتستمر هي في إدارة خيوط الحكم من خلف الستار.

إنقاذ العرش للمرة الثانية

كان القرار بمثابة السير في حقل ألغام؛ فاختيار أي أمير قد يشعل حرباً الأهلية تأكل الأخضر واليابس بين المعسكرين المتنافسين. بحنكتها السياسية، فضلت شجر الدر تغليب كفة الأمير عز الدين أيبك لكونه أكثر هدوءاً وأقل صداماً من غريمه أقطاي.

تزوجت شجر الدر من أيبك وتنازلت له عن العرش علناً بعد فترة حكم دامت ثمانين يوماً. ولم تقف عند هذا الحد، بل أدركت أن الخطر الأكبر "التتار" بات على الأبواب يلتهم الأخضر واليابس في الشرق، وأن مواجهتهم تتطلب جيشاً موحداً. عملت شجر الدر بذكاء وصبر على تصفية مراكز القوى (والتي انتهت بمقتل الأمير أقطاي لاحقاً)، واحتواء مماليكه الهاربين والمتبقين، لتوحيد الصفوف وتحويل الجيش إلى قوة ضاربة واحدة متماسكة.

وبذلك، لم تحمِ شجر الدر عرش مصر من الصليبيين في المرة الأولى فحسب، بل أنقذته في المرة الثانية من التمزق الداخلي والرفض الخارجي، لتسلم الراية لدولة فتية استطاعت لاحقاً سحق المغول في عين جالوت وحماية العالم الإسلامي.

وللحديث بقية...

No comments:

Post a Comment