شجر الدر: المرأة التي غيّرت مجرى التاريخ المصري
الملكة "شجر الدر" —
والتي يخطئ الكثيرون بتسميتها "شجرة الدر" — هي زوجة السلطان الصالح نجم
الدين أيوب، آخر السلاطين الأقوياء للدولة الأيوبية، وحفيد الناصر صلاح الدين
الأيوبي.
لم تكن شجر الدر مصرية المولد، بل
بدأت رحلتها كجارية ومحظية في بلاط السلطان، كواحدة من آلاف المماليك الذين
اشتراهم الأيوبيون من أسواق آسيا الوسطى. في تلك الحقبة، كان حكام مصر الأيوبيون
(وهم من أصول كُردية قدموا من الشام) يعتمدون بشكل مكثف على شراء الجواري والعبيد
لأسباب استراتيجية:
- الصبيان: تميزوا
ببنية جسدية قوية ومهارات قتالية فطرية، فكانوا يُخضعون لتدريبات عسكرية
صارمة ليتحولوا إلى فرسان أشداء وجنود لا يُشق لهم غبار في جيش السلطان (وهم
من عُرفوا لاحقاً بالمماليك).
- البنات: تميزن
بجمال باهر وثقافة عالية ورشاقة أخاذة، فكنَّ يحظين بمكانة رفيعة في قلوب
السلاطين.
وقع السلطان الصالح في غرام شجر
الدر؛ لم تكن مجرد جارية حسناء، بل كانت تتمتع بذكاء حاد وعقل راجح، فاعتقت
وتزوجها لتقاسمه عرش مصر. أنجبت له ولداً واحداً سمّياه "الخليل"، ولكنه
توفي في سن صغيرة، بينما كان ولي العهد الشرعي هو الأمير "توران شاه"،
ابن السلطان من زوجة أخرى.
المحنة الكبرى: معركة المنصورة
في وقت عصيب من تاريخ مصر، خرج الجيش
بقيادة السلطان الصالح لمواجهة لويس التاسع ملك فرنسا في الحملة الصليبية
السابعة (المعروفة بموقع المنصورة). كان السلطان يعاني من مرض عضال، ورغم
شدة مرضه صمد قي معسكره، حتى وافته المنية والبلاد في أوج حربها مع الصليبيين.
في تلك العصور، كان نبأ وفاة الملك
أثناء المعارك كفيلاً بإنهاء الحرب فوراً لصالح العدو؛ إذ ينهار حماس الجنود،
وينفرط عقد الجيش، وتدب الانقسامات. وهنا تجلت عبقرية وحكمة شجر الدر؛ حيث أدركت
حجم الكارثة، فقررت إخفاء خبر الوفاة عن الجميع، ونقلت جثمان السلطان سراً في
الليل عبر النيل إلى قلعة الروضة بالقاهرة.
أدارت شجر الدر الدولة وكأن السلطان
لا يزال حياً، فكانت تُصدر الأوامر وتوقع على الأوراق الرسمية المقلدة لخط زوجها.
وفي الوقت نفسه، أرسلت سراً واستدعت ولي العهد الأمير "توران شاه" من
حصن كيفا ليتسلم مقاليد الحكم، كما استدعت القائد المملوكي الباسل "فارس
الدين أقطاي" ليتولى مع بقية القادة (مثل بيبرس وقلاوون) قيادة الجيش في
الميدان.
بفضل ثبات هذه المرأة وحكمتها
الأسطورية، تحققت النصر الساحق على الصليبيين وأُسر ملكهم لويس التاسع في دار ابن
لقمان بالمنصورة، وأنقذت مصر من تمزق محقق.
كانت هذه الملحمة نقطة تحول فارقة في
تاريخ المنطقة؛ إذ لم تكن مجرد نهاية لمعركة، بل كانت شهادة ميلاد لعصر جديد. بموت
الصالح نجم الدين ومقتل ابنه توران شاه لاحقاً، انتهى العصر الأيوبي، ودخلت
مصر عصر دولة المماليك، العصر الذي بدأ بارتقاء شجر الدر نفسها العرش
كأول ملكة في الإسلام، واستمر يحكم الشرق ويدافع عنه لما يقارب الأربعة قرون.
و للحديث بقية...
No comments:
Post a Comment