Search This Blog

Monday, December 19, 2022

خوفو و السحرة

خوفو والسحرة: خيانة الشمع والتعاويذ

في عهد الملك خوفو، باني الهرم الأكبر وصاحب المجد العظيم في العصر الذهبي للدولة القديمة، جرت الأيام على غير عادتها؛ إذ أصيب الفرعون باكتئاب حاد وحالة من السأم الشديد، ولم تعد مباهج البلاط ولا ترانيم القصر قادرة على إدخال السرور إلى قلبه المنهك.

وأمام هذا الغم الذي خيّم على الملك، تفتق ذهن أبنائه الأمراء عن حيلة لترويح نفسه؛ فقرروا أن يتناوبوا عليه، ليقص كل منهم قصة من أغرب حكايات السحر والأقدمين، لعله يجد فيها سلوى. وكانت من بين تلك القصص حكاية "زوجة الكاهن وعشيقها".

خيوط الشك

بدأت الحكاية عندما توجه الكاهن (الذي تذكر البرديات أنه كان رئيس المرتلين "أبا-أنر") إلى زوجته مودعاً، ليبلغها بأنه يمضي الليلة في محراب المعبد لأداء طقوسه اليومية، على أن يعود مع تباشير الصباح. طبع الكاهن قبلة هادئة على جبهتها، واحتضنها متمنياً لها نوماً هنيئاً، ثم غادر.

في الصباح التالي، وعند عودته، استوقفه أحد خدم القصر الخاصين، وقد بدت عليه علامات الوجل، ل يهمس في أذن سيده:

"يا سيدي، بالأمس، وما إن غادرت إلى المعبد، حتى أقبل على الدار رجل غريب لم تره عيني من قبل. طرق الباب، ففتحت له سيدتي وأدخلته، وأوصدت الأبواب خلفهما!".

استطرد الخادم مسترسلاً أنه ظل يراقب الموقف من وراء أشجار الحديقة، وبعد وقت ليس بالقصير، انفتح الباب لتخرج الزوجة يتبعها الغريب، متوجهين في ظلام الليل نحو بحيرة الحديقة ليرتادوا ماءها، قبل أن يغادر الغريب وتعود هي إلى مخدعها.

ثار الكاهن في وجه خادمه، ونهر غاضباً، مستنكراً الكلمات ومدافعاً عن شرف زوجته؛ لكن صراخه لم يكن سوى قناع يخفي وراءه خجلاً دفيناً ومحاولة يائسة لترميم كبريائه الجريح، فقد تسلل سم الشك إلى قلبه.

الفخ واليقين

في المساء التالي، قرر الكاهن أن يختبر الحقيقة بنفسه. ودع زوجته بالقبلات والكلمات الرقيقة كالعادة، متباكياً على الساعات التي سيقضيها بعيداً عن عينيها، وتمنى لها ليلة سعيدة ثم تظاهر بالرحيل.

لكنه لم يذهب للمعبد؛ بل انزوى في ركن مظلم شديد السواد من حديقة القصر يترقب. ويا للهول! لم تطل علامات الانتظار حتى تكرر المشهد كأنه مرآة لليلة الأمس؛ انفتح الباب وأقبل الغريب. لم يكن يهمه إن كان هو العشيق نفسه أم غيره، فالجُرم واحد، والصدمة كانت زلزالاً عصف بقلب الزوج المخدوع. أمضى الكاهن ليلته في مخبأه، وعقله يغلي كالمرجل، يدبر لأمر ينهي به هذه المأساة.

سحر التمساح ونهاية الغدر

في الليلة الثالثة، أحكم الكاهن خيوط الفخ. عاد إلى زوجته مفعماً بالحب المفتعل، واحتضنها بشدة قائلاً إنه بات يكره عمله الذي يحرمه من الدفء بجانبها. غاصت هي في أحضانه بنظرات تفيض بالهيام الكاذب، وحثته بكلمات معسولة على الذهاب لعمله متمنية له عودة سريعة.

لوحت له بيدها وهو يهبط الدرج، وما إن أُغلق الباب حتى استدار إلى مخبئه، لكنه هذه المرة لم يكن يملك الشك، بل كان يخبئ بين طيات ردائه تمثالاً صغيراً لتمساح صُنع من الشمع، وسكب عليه تعاويذ سحرية غامضة.

تسللت الزوجة وعشيقها نحو البحيرة في الحديقة، وعندما نزلا إلى الماء، ألقى الكاهن تمساح الشمع في البحيرة وهو يتلو وِرده السحري. وفي لمح البصر، تحول التمثال الصغير الصامت إلى وحش كاسر، تمساح رهيب يبلغ طوله سبعة أذرع، انقض على العشيق والزوجة الخائنة وابتلعهما في أعماق المياه، لتنتهي حياتهما تحت وطأة السحر والعدالة الإلهية.

انتهت القصة التي رواها الأمير ليرى ابتسامة خفيفة على شفتي الملك خوفو.. ولكن، ماذا تعلمنا هذه القصة القصيرة عن مصر القديمة؟

قراءة في التاريخ: ماذا نتعلم من هذه القصة؟

من خلال هذه الحكاية المأخوذة من الأدب المصري القديم (بردية وستكار)، يمكننا استخلاص حقائق مذهلة عن المجتمع الفرعوني:

  • مكانة السحر كعلم: لم يكن السحر عند المصريين القدماء مجرد شعوذة، بل كان يُنظر إليه كعلم حقيقي يمتلكه كبار الكهنة (مثل رئيس المرتلين)، ويُستخدم لتطبيق العدالة وحماية النظام الكوني (ماعت).

  • قدسية الرابطة الزوجية: توضح القصة أن المجتمع المصري القديم كان يقدس الزواج ويعتبر الخيانة الزوجية خطيئة كبرى تستوجب عقاباً رادعاً يصل إلى الموت، وأن الشرف والقيم الأخلاقية كانت أساساً لتماسك الأسرة.

  • العمارة وطبيعة الحياة: تكشف القصة عن نمط حياة الطبقة الراقية (الكهنة)؛ حيث كانت منازلهم تضم حدائق شاسعة وبحيرات صناعية للاستجمام والاغتسال، مما يعكس الرفاهية والاهتمام بالنظافة والجمال.

  • الأدب كوسيلة للعلاج النفسي: استخدام رواية القصص كوسيلة لعلاج اكتئاب الملك خوفو يُظهر وعي المصريين القدماء المبكر بالطب النفسي، وقدرة الفن والحكي على تخفيف الآلام النفسية والترويح عن القلوب.

No comments:

Post a Comment