Search This Blog

Monday, December 19, 2022

الشدة المستنصرية

الظلال الفاطمية: من قفار المغرب إلى فاجعة الشدة المستنصرية

تُعد الحقبة الفاطمية واحدة من أهم وأعمق الفترات في تاريخ مصر الإسلامي. ولم تبدأ هذه الدولة في اليمن، بل تعود جذورها الأولى كدعوة سرية انطلقت من الكوفة وتغلغلت في أصقاع شتى، لكن بيئتها الحاضنة الحقيقية التي شهدت ولادة الدولة كانت في بلاد المغرب العربي (تحديداً في تونس الحالية)، حيث وجد مؤسسوها في قبائل الأمازيغ (مثل كتامة) أرضاً خصبة بعيدة عن القبضة العسكرية العباسية السنية في بغداد. وقد سميت الدولة بـ "الفاطمية" نسبة إلى السيدة فاطمة الزهراء، بنت الرسول محمد ﷺ، تأكيداً لشرعية نسبهم الطالبي.

أثناء رحلة الدعاة الأوائل وتأسيسهم للدولة في المغرب، كان طموح الفاطميين يمتد شرقاً، وكانت أعينهم شاخصة صوب مصر لما رأوا في موقعها الجغرافي والاستراتيجي من مركز ثقل إقليمي يتيح لهم بسط نفوذهم على الحجاز والشام، ومنافسة الخلافة العباسية التي كانت تعيش دور الضعف والوهن.

وبعد أن استتب الأمر للفاطميين في المغرب وقويت شوكتهم، جهزوا جيشاً جراراً زحف شرقاً تحت قيادة القائد الداهية جوهر الصقلي (وليس المعز نفسه)، والذي نجح في ضم مصر ودخولها بسلاسة عام 969م، مستغلاً حالة التردي والضعف التي آلت إليها الدولة الإخشيدية التابعة اسمياً للعباسيين.

ميلاد قاهرة المعز
قبل وصول الفاطميين، عرفت مصر عواصم إسلامية متعاقبة أسسها الولاة؛ بدأت بالفسطاط (مصر القديمة)، ثم العسكر، فالقطائع. لكن هذه المدن كانت أشبه بحواضر عسكرية أو إدارية محدودة، ولم ترتقِ لضخامة الإسكندرية القديمة، أو عظمة بغداد ودمشق.

ومن هنا، أراد الخليفة الفاطمي الرابع، المعز لدين الله، تشييد عاصمة كونية تفوق بغداد جلالاً وبهاءً، لتكون مقراً لخلافته العالمية. فأمر جوهر الصقلي بتأسيس مدينة جديدة شمال العواصم السابقة، اختير لها اسم "القاهرة" — قيل تبركاً بالطالع لظهور كوكب المريخ (القاهر) في السماء وقت وضع حجر الأساس، وقيل تفاؤلاً بأنها تقهر الأعادي وتدير الدنيا.

جاء المعز لدين الله إلى مصر ليتسلم عاصمته الجديدة، وسلك مع المصريين سياسة الترغيب والترهيب، وهي السياسة التي اختصرها التاريخ لاحقاً في المثل السائر: "ذهب المعز وسيفه" (وإن كانت العبارة تاريخياً قد نُسبت للحوار الشهير بين المعز وفقهاء مصر والشام لإثبات نسبه وقوته). انحنى المصريون للعاصفة، وبايعوا الخليفة الفاطمي إما طمعاً في جوده أو خشية من بأسه، لتستقر الدولة الفاطمية في عاصمتها اللامعة.

لغز النيل والرحلة نحو الكارثة





منذ فجر التاريخ، ارتبط مصير مصر بفيضان النيل؛ حيث كانت البلاد تدور في فلك دورات طبيعية متقلبة من سنوات الوفرة يتبعها جفاف، وهو ما تطلب دائماً إدارة مركزية حازمة.

وفي منتصف عصر الدولة الفاطمية، وخلال عهد الخليفة المستنصر بالله — الذي حظي بأطول فترة حكم في تاريخ الإسلام (نحو 60 عاماً) — وصلت الدولة إلى ذروة غناها واتساعها، قبل أن تضربها الكارثة الكبرى. انحبس مياه الفيضان وتراجع النهر لسبع سنوات عجاف متواصلة (بدأت عام 1065م)، مما أدى إلى جفاف الأراضي، وموت الماشية، وهلاك الزرع، لتواجه مصر إحدى أبشع المجاعات وأقسى الأزمات الاقتصادية في تاريخها الطويل، والتي عُرفت بـ "الشدة المستنصرية"...

وللحديث بقية ...

No comments:

Post a Comment